أحمد بن علي القلقشندي
54
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
صادقة بروقه ، ومتاته ( 1 ) لا يفضله متات ولا يفوقه . ونحن نعرّفكم بأحوال هذا القطر المستمسكة فروعه بتلك الجرثومة الراسية ، الممدودة أيديه إلى مثابتها المتصدّقة بالدعاء المواسيه ؛ فاعلموا أن الإسلام به مع الحياة في سفط ( 2 ) حرج ، وفي أمر مرج ( 3 ) ؛ وطائفة الحق قليل عددها ، منقطع إلا من اللَّه مددها ، مستغرق يومها في الشّدّة وغدها ؛ فالطلائع في قنن الجبال تنوّر ، والمصحر من بيته مغرّر ( 4 ) ؛ والصّيحة مع الأحيان مسموعه ، والأعداء لردّ ما استخلصه الفتح الأوّل مجموعه ؛ والصبر قد لبست مدارعه ، والنصر قد التمست مشارعه ، والشّهداء تنوش أشلاءهم القشاعم ( 5 ) ، وتحتفل منها للعوافي ( 6 ) الولائم والمطاعم ؛ والصّبيان تدرّب على العمل بالسّلاح ، وتعلَّم أحكام الجهاد تعلَّم القرآن في الألواح ؛ وآذان الخيل مستشرفة للصيّاح ( 7 ) ، ومفارق الطائحين في سبيل اللَّه تعالى تبلى بأيدي الرياح ، والمآذن تجيبها النواقيس مناقضه ، وتراجعها مغاضبة معارضه ؛ وعدد المسلمين لا يبلغ من عدد الكفّار ، عشر المعشار ، ولا وبرة من جلود العشار ( 8 ) ؛ إلا أن اللَّه عز وجلّ حلّ بولايتنا المخنق المشدود ، وفتح إلى التيسير المهيع ( 9 ) المسدود ، وأضفى ظلال اليمن الممدود ، وألهم - وله الشكر على الإلهام ، وتسديد السّهام . والحمد للَّه الذي يفوت مدارك الأفهام - إلى اجتهاد قرن به التوفيق ، وجهاد نهج به إلى النجاة المنجية الطريق ؛ سبحانه من كريم يلهم العمل
--> ( 1 ) المتات : ما يتوسل به كالحرمة والقرابة . ( 2 ) السّفط : الوعاء ، وهنا بمعنى المقام والوضع . ( 3 ) مرج : ملتبس ومختلط . وفي التنزيل العزيز : « مرج البحرين يلتقيان » . ( 4 ) المصحر : من أصحر أي برز في الصحراء ، والمغرّر : المعرّض للهلاك . والمراد : من يخرج من بيته معرّض للهلاك . ( 5 ) القشاعم : جمع قشعم وهو النسر الذكر العظيم . ( 6 ) العواف : ما يظفر به الإنسان والحيوان ليلا من صيد . ( 7 ) الصّياح والصّيحة : الغارة يفجأ الناس بها . ( 8 ) العشار من النوق ونحوها : ما مضى على حملها عشرة أشهر . ( 9 ) المهيع : الطريق .